ابراهيم بن عمر البقاعي
582
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بالحمد فقال : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات ترابا واختلاط تراب الكل بعضه ببعض وبتراب الأرض ، فيتعذر التمييز ، وكان تمييز الطين لشدة اختلاط أجزائه بالماء أعسر من تمييز التراب قال : مِنْ طِينٍ أي فميز طينة كل منكم - مع أن منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره - من طينة الآخر بعد أن جعلها ماء ثخينا له قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر . ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة ، نبه بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال : ثُمَّ قَضى أي حكم حكما تاما وبتّ وأوجد أَجَلًا أي وقتا مضروبا لانقضاء العمر وقطع التأخر لكل واحد منكم خيرا كان أو شريرا ، قويا كان أو ضعيفا ، من أجل يأجل أجولا - إذا تأخر ، وجعل تلك الآجال - مع كونها متفاوتة - متقاربة لا مزية لأحد منكم بصفة على آخر بصفة مغائرة لها ، وفاعل ذلك لا يكون إلا واحدا فاعلا بالاختيار . ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من الطين إشارة إلى ما فرع منه من الآجال المتفاوتة ، ذكر الأجل الآخر الجامع للكل ، لأن ذكر البداية يستدعي ذكر النهاية ، فقال مشيرا إلى تعظيمه بالاستئناف والتنكير : وَأَجَلٌ أي عظيم مُسَمًّى أي لكم أجمعين لانقضاء البرزخ للإعادة التي هي في مجاري عاداتكم أهون من الابتداء لمجازاتكم والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ومظهر نعمته ونقمته في وقت واحد ، يتساوى فيه الكل ، وستر علمه عن الكل كما أشار إليه بالتنكير ، وهذا لا يصح أن يكون إلا لواحد ، لا متعدد ، وإلا لتباينت المقادير والإرادات وانشق كل مقدور في صنف لا يتعداه ، وإلا لعلا بعضهم على بعض وانهتكت أسرار البعض بالبعض - سبحان اللّه وتعالى عما يصفون ، وغير السياق إلى الاسمية إشارة إلى اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك فيه ! ويؤكده إثبات قوله : عِنْدَهُ في هذه الجملة وحذفها من الأولى هنا وفي قوله ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى [ الأنعام : 60 ] ، وقدم المبتدأ مع تنكيره - والأصل تأخيره - إفادة لتعظيمه . ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة ، أشار إليه بأداة التراخي وصيغة الافتعال فقال : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * أي تكلفون أنفسكم الشك في كل من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء ، بتقليد الآباء ، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر من ساطع الضياء ، وهذه الآية نظير آية الروم أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [ الروم : 8 ] أي كيف خلقهم اللّه من طين ، وسلط بعضهم